ملاك درويش
في شوارع الخرطوم المدمّرة، ما زال الدخان يتصاعد من مبانٍ كانت قبل عامٍ واحد فقط تعجّ بالحياة. هنا، حيث يتقاسم الجيش السوداني وقوات الدعم السريع السيطرة على العاصمة، لا صوت يعلو فوق صوت الرصاص.
الناس يفرّون كل يوم، والمدينة التي كانت مركز القرار والاقتصاد تحوّلت إلى أطلالٍ صامتة، بينما يغيب السودان عن عناوين الأخبار العالمية كما لو أنّه بلد بلا نبض.
فمنذ اندلاع المعارك في أبريل 2023، لم تعرف الخرطوم يومًا واحدًا من الهدوء. وفي هذا الصدد، يقول أحمد، وهو شاب ثلاثيني نزح إلى بورتسودان:
“النوم صار ترفًا! كنا ننتظر الصباح لنسمع أين سقطت القذائف هذه المرة.”
المنازل في الأحياء الجنوبية دُمّرت بالكامل، والمستشفيات أُغلقت أو نُهبت، والمولدات التي كانت تعمل على تأمين ما تبقّى من الكهرباء توقفت. ومنظمات الإغاثة تصف الوضع في العاصمة بـ“المنهار تمامًا”.
في المقابل فإن الوضع في إقليم دارفور أكثر قسوة، فنسبة لتقارير أممية تحدثت عن المجازر ذات الطابع العرقي في مدينة الجنينة، حيث قُتل المئات في مواجهات بين الدعم السريع ومجموعات محلية.
أما فاطمة، وهي أم فقدت ثلاثة من أولادها في الهجوم على قريتها تقول:
“جاؤوا في الليل، أحرقوا البيوت، من لم يُقتل هرب إلى تشاد سيرًا على الأقدام.”
ورغم أنّ الصور قليلة، إلا أنّ ما تسرب من مقاطع مصوّرة عبر هواتف السكان يكشف حجم المأساة: جثث في الشوارع، أطفال تائهون، ومنازل تحترق.
وبحسب الأمم المتحدة، أكثر من 10 ملايين سوداني نزحوا داخل البلاد أو لجأوا إلى الدول المجاورة رقم يجعل السودان اليوم أكبر أزمة نزوح في العالم.
المدارس أُغلقت، الأسواق خلت، وشريان الحياة في البلاد نهر النيل صار شاهداً صامتاً على موجات النزوح من مدينة إلى أخرى.
ولكن مع كل هذا، أين الإعلام؟!
السؤال الذي يتردّد على ألسنة كثير من السودانيين اليوم هو: “لماذا لا يتحدث أحد عنّا؟”
الجواب معقّد.
فمعظم المراسلين الأجانب غادروا السودان في الأسابيع الأولى للحرب، بعد أن أصبح الوصول إلى مناطق القتال شبه مستحيل.
الإنترنت يُقطع بشكل متكرّر، ما يجعل التواصل مع الداخل صعبًا للغاية.
كما أنّ وسائل الإعلام الكبرى تركّز عدساتها على أوكرانيا وغزة، بينما السودان بلا صورٍ حديثة ولا ضغطٍ سياسي دولي يختفي من الشاشة.
وفي هذا الإطار، يقول أحد الصحافيين السودانيين في المنفى: “لدينا حرب بحجم بلدٍ كامل، لكن من دون شهود. الإعلام يعيش على الصورة، ونحن بلا صورة.”
ففي ظلّ هذا الانهيار، تتآكل مؤسسات الدولة بسرعة.. البنوك أغلقت، المدارس تحوّلت إلى ملاجئ، والجيش والدعم السريع يتبادلان السيطرة على المدن دون أن يحسم أحدٌ المعركة.
أما الحكومة المدنية التي حلم بها السودانيون بعد ثورة 2019، فقد أصبحت ذكرى بعيدة.
وفي قبال ذلك، على الحدود مع تشاد تتكدّس آلاف الخيام البيضاء، تقول ليلى (45 عامًا)، وهي أمّ لخمسة أطفال: “لم نعد نريد شيئًا سوى أن نُذكر.. العالم نسي السودان.”
تلك الجملة تختصر المأساة: السودان يُقتل بصمت، مرتين مرة بالحرب، ومرة بالتجاهل.
فبينما ينشغل العالم بأخبار الحروب الكبرى، يعيش السودان حربه الخاصة بعيدًا عن العناوين.. فمدينة الخرطوم اليوم ليست سوى رمزٍ لحقيقةٍ مُرّة: أنّ هناك شعوبًا تموت دون أن يراها أحد.
وحين يُسأل الإعلام عن السودان؟ فإنه لا يملك سوى صور قديمة وأرقامٍ جافة..